محمد أبو زهرة

28

زهرة التفاسير

رَحِيماً ( 5 ) [ الأحزاب ] ومحمد صلى اللّه عليه وسلم كان قد تبنّى زيد بن حارثة ، وتزوج زيد زينب على أنه ابنه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما ألغى التبني بحكم الإسلام تململت به ، وتململ من كبريائها ، فأراد أن يطلقها ، فقال له محمد الأمين صلى اللّه عليه وسلم كما أخبر القرآن : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [ الأحزاب ] وهو إرادة الله في الطلاق ، وتزويجها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال سبحانه : فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً . . ( 37 ) [ الأحزاب ] وسنبين ذلك أفضل بيان عندما نتكلم في معاني هذه الآيات إن شاء الله تعالى . تفسير القرآن بالرواية : إنه لا شك أن تفسير القرآن بالرواية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر مقرر ثابت ؛ لأن القرآن الكريم بيانه أولا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويجب تحرى السنة الصحيحة ، ولا يتبع إلا الصحيح ، بيد أنه في بعض المروى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما يخالف ما نحسه ونعاينه ، كقول بعض المفسرين معتمدين على بعض الروايات بأن بعض الأنهار تنبع من الجنة وأنها تفيض منها ، مع أنه ثبت بالمعاينة أنها تفيض من سيول في جبال ، أو تنبع من منابع وبحيرات يراها الناس . ومن المقرر أنه إذا كان حديث آحاد بما يثبت العقل أو الرؤيا نقيضه ، يردّ حديث الآحاد ، ويثبت بطلان نسبته إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك ما يثبت علم علماء الكون خلافه ثبوتا قطعيا بالبرهان القاطع الذي لا يتطرق إليه ريب ، فقد ذكر الغزالىّ أنه إذا كان خبر الآحاد يناقض ما أثبته العلم ثبوتا قطعيا ، ترد نسبته إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أو يؤوّل ، وإن النص المناقض قطعيا يؤوّل بما لا يكون بينه وبين العلم القطعي خلاف . وقد أكدنا في عباراتنا أن العلم الذي يؤوّل النص القطعي ، أو نرد به الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم يجب أن يكون علما قطعيّا ، لكيلا نغير في النصوص بفروض ونظريات لم تثبت بدليل قطعي ، ولا يلتفت إليها إزاء النصوص ، ولو كانت خبر آحاد ثبتت صحته ؛ لأنها فروض لم تؤكد بدليل قطعي كنظرية النشوء والارتقاء ،